
مدير الشركه حكايات اسما السيد كانت فاكرة إنه واحد من المتقدمين للوظيفة زيها… وعشان كده ماخدتش بالها إن كل كلمة كانت بتقولها له، كان بيسجلها في دماغه. وصلت مقر الشركة قبل ميعاد الإنترفيو بحوالي عشرين دقيقة. كانت متوترة جدًا، بس بتحاول تبان هادية. الوظيفة دي بالنسبة لها ماكانتش مجرد مرتب كويس. كانت فرصة تغيّر بيها حياة بيت كامل. دخلت الاستقبال، ولقت حوالي 8 أشخاص قاعدين مستنيين. كل واحد ماسك ملف، ولابس أحسن لبس عنده، ومركز في الورق اللي قدامه.
قعدت جنب الشباك وبدأت ترتب السيرة الذاتية بتاعتها. وفجأة… دخل راجل شكله في أوائل التلاتينات. لابس بدلة غالية، وكرافتة غريبة عليها رسومات صغيرة. بس الحاجة اللي خلتها تستغرب… إنه ماكانش ماسك ملف. ولا ورق. ولا حتى شنطة. بص حواليه بسرعة، وبعدها جه قعد جنبها. من أول ما قعد، صوابعه كانت بتخبط على ركبته من التوتر. تك… تك… تك… بصت له شوية، وبعدين قالت: — لو فضلت تعمل كده، الناس هتفتكر إنك بتبعت رسائل سرية.
وقف إيده وبصلها وهو بيضحك: — هو التوتر واضح أوي؟ قالت: — واضح من أول ما دخلت. ضحك وقال: — بقالي فترة طويلة معملتش إنترفيو. الجملة دي خلتها تتأكد إنه جاي يقدم على شغل زيها. فبدأت تتكلم معاه براحتها. بصت للكرافتة وقالت: — هي دي اختيارك؟ قال: — لأ، طفل صغير اختارهالي وقال إنها هتجيبلي الحظ. قالت وهي بتضحك: — خلاص، خليك لابسها… بس ماتستغربش لو سألوك عنها قبل خبرتك.
ضحك بصوت عالي. وبعد شوية، طلعت ساندوتش من شنطتها. لاحظت إنه بص ناحيته، فسألته: — إنت فطرت؟ قال: — قهوة بس. قسمت الساندوتش نصين ومدت له نص. قال باستغراب: — مش هاخد أكلك. ردت: — خلاص، اعتبره استثمار عشان ماتقعش من طولك جوه الإنترفيو. ضحك وأخده. وبين لقمة والتانية، بدأت تديله نصايح. — ماتحفظش الإجابات… اللي بيعمل الإنترفيو بيعرف فورًا. سألها: — ولو سألك عن أكبر عيب فيك؟ قالت: — هقول إني ساعات ماقدرش أنفذ أوامر شايفاها مالهاش منطق.
بصلها ثواني زيادة عن الطبيعي. وبعدين قال: — الإجابة دي ممكن تخسرك الوظيفة. ردت بهدوء: — بس هتكسبني إني ماكدبش. سكت. ولأول مرة… ابتسامته اختفت. وبصلها بنظرة خلتها تحس إن السؤال ماكانش عادي. قبل ما تسأله فيه إيه، موظفة الاستقبال خرجت ونادت عليها: — دورك دلوقتي. قامت بسرعة ولمت ورقها. وقبل ما تمشي بصت له وقالت: — بالتوفيق في الإنترفيو. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — وإنتِ كمان. دخلت قاعة الاجتماعات.
كان فيه 3 مسؤولين قاعدين قدامها. لكن الكرسي اللي في النص كان فاضي. قعدت، وحطت ملفها على الترابيزة. وقبل ما أول واحد فيهم ينطق… باب القاعة اتفتح. دخل نفس الراجل. ولسه ماسك آخر حتة من الساندوتش اللي كانت ادهتهاله. ابتسم وقال: — آسف إني اتأخرت… التلاتة اللي قدامها قاموا من كراسيهم فورًا. وهنا… وشها شحب. لأنها بدأت تفهم إن الراجل ده… ماكانش متقدم للوظيفة أصلًا. يتبع…”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ #حكايات_الكاتبة_أسما_السيد @أبرز المعجبين
الفصل الثاني
المتقدم اللي ماكانش متقدم
دخل نفس الراجل القاعة… ولسه في إيده آخر حتة من نص الساندوتش اللي كانت قسمته معاه من دقايق. ابتسم بهدوء وقال: — آسف إني اتأخرت. في نفس اللحظة… التلاتة اللي قاعدين قدامها قاموا من كراسيهم. واحد منهم قال بسرعة: — ولا يهمك يا فندم. والتاني سحب له الكرسي اللي في النص. أما هي… فكانت قاعدة مكانها، ماسكة القلم بين صوابعها، وحاسة إن عقلها وقف تمامًا.
بصت له. وبصت للكرافتة الغريبة. وبصت لحتة الساندوتش. وبعدين رجعت بصت للمسؤولين اللي واقفين احترامًا له. بلعت ريقها بالعافية. هو قعد على الكرسي اللي في النص، حط آخر لقمة في بقه بكل هدوء، ومسح إيده بمنديل. وبعدين رفع عينه ناحيتها. — نبدأ؟ صوته كان هو نفسه. بس المرة دي… ماكانش صوت واحد متوتر جاي يعمل إنترفيو. كان صوت شخص متعود إن كل اللي حواليه يسمعوه. واحد من المسؤولين فتح الملف وقال:
— طبعًا يا أستاذ سليم. اسمها كان “يارا”. وأول ما سمعت الاسم… افتكرت فورًا. سليم الراوي. المدير التنفيذي الجديد للشركة. الاسم اللي كانت قرياه امبارح وهي بتدور على معلومات عن المكان. لكن الصورة اللي كانت موجودة على الموقع قديمة. كان فيها أصغر، من غير دقن، وشعره مختلف. عشان كده ماعرفتوش. يارا حست إن وشها سخن. يعني من عشر دقايق… كانت بتقوله مايحفظش الإجابات. واتريقت على كرافتته. وقالتله إن أكبر عيب فيها إنها ممكن ترفض تنفيذ أوامر شايفاها غبية.
وفوق كل ده… قسمت معاه ساندوتش الجبنة بتاعها. يا نهار أبيض. سليم شبك إيديه فوق الترابيزة وقال: — واضح إن حضرتك عرفتي أنا مين. يارا حاولت تحافظ على هدوئها. — أعتقد آه. رفع حاجبه. — وأعتقد إنك ندمتي على نص الكلام اللي قولتيه بره. واحد من المسؤولين بص لها. والتاني ابتسم ابتسامة صغيرة. يارا أخدت نفس. كان ممكن تعتذر. كان ممكن تقول إنها ماكنتش تعرفه. كان ممكن تحاول تضحك وتقول إنها كانت بتهزر.
بس هي عرفت إن أي محاولة لتغيير شخصيتها دلوقتي هتبقى أسوأ. فقالت: — بصراحة؟ سليم قال: — ياريت. ردت: — ندمت على إني اتريقت على الكرافتة. اتسعت عيون واحد من المسؤولين. أما سليم… فسكت ثانية. وبعدين قال: — بس؟ قالت: — آه. — يعني مش ندمانة إنك قولتي إنك ممكن ترفضي أمر من مديرك لو شايفاه مش منطقي؟ — لأ. — حتى لو المدير هو أنا؟ يارا بصت له مباشرة.
— على حسب الأمر. المسؤول اللي على اليمين حرك نفسه في الكرسي بعدم ارتياح. واضح جدًا إن المقابلة خرجت من الإطار التقليدي. سليم مال لقدام شوية. — طيب نفترض إني طلبت منك تنفذي قرار وإنتِ شايفة إنه غلط. هتعملي إيه؟ قالت: — هسألك الأول عن السبب. — ولو ما شرحتش؟ — هوضح لك اعتراضي. — ولو أصريت؟ سكتت لحظة. وبعدين قالت: — لو القرار مش مخالف لقانون أو أخلاق الشغل وهتتحمل حضرتك مسؤوليته، هنفذه.
سليم سأل: — ولو كنتِ متأكدة إنه هيخسر الشركة فلوس؟ ردت فورًا: — هقولك ده كتابة. أول مرة… ظهر طرف ابتسامة على وشه. — كتابة؟ — عشان لما نخسر الفلوس ماتقولش لي: ليه ماحذرتينيش؟ المسؤول اللي على الشمال كتم ضحكته. لكن سليم ما ضحكش. فضل باصص لها. نفس النظرة اللي بصها لها بره لما قالت إنها مش بتحب تكدب. وبعدين فتح الملف اللي قدامه. — يارا محمود… 27 سنة. خبرة أربع سنين في إدارة العمليات. آخر شركة سبتِها من ست شهور.
— صحيح. — ليه؟ هنا… نظرتها اتغيرت. السؤال ده كانت محضراه. لكن مش الإجابة الحقيقية. الإجابة اللي كانت ناوية تقولها كانت: “كنت بدور على فرصة أفضل للتطور.” إجابة نظيفة. محفوظة. آمنة. لكنها افتكرت كلامها له بره. “ماتحفظش الإجابات.” فسكتت. سليم لاحظ. — السؤال صعب؟ قالت: — لأ… الإجابة هي اللي ممكن ماتعجبش حضرتك. قال: — جربي. بصت لباقي اللجنة، وبعدين رجعت له. — سبت الشركة عشان طلبوا مني أزور أرقام في تقرير.
اختفت أي ابتسامة من القاعة. سليم قال: — تزوريها إزاي؟ — كان عندنا عقد كبير، والمشروع متأخر، والغرامة هتبقى ضخمة. مديري طلب مني أغير نسب الإنجاز في التقرير قبل ما يتبعت للعميل. — وعملتي إيه؟ — رفضت. — ففصلوكي؟ يارا هزت راسها. — لأ. سليم انتظر. قالت: — قدمت استقالتي. المسؤول اللي على اليمين تدخل: — بس مفيش أي ملاحظة بكده في خطاب الخبرة. يارا ردت: — طبيعي. هما مش هيكتبوا إنهم طلبوا مني أزوّر تقرير.
سليم قفل الملف. — وعندك دليل؟ السؤال نزل عليها تقيل. سكتت ثانيتين. — عندي. التلاتة بصوا لها. سليم قال: — معاكِ دلوقتي؟ — لأ. — ليه محتفظة بيه؟ هنا توترت فعلًا. ولأول مرة من بداية المقابلة… هربت عينيها منه. قالت: — عشان أحمي نفسي. — من إيه؟ — من إنهم يقرروا يوم يقولوا إن المشكلة كانت مني. سليم رجع بظهره للكرسي. — الشركة القديمة حاولت تمنعك من التوظيف في أماكن تانية؟
يارا رفعت عينيها بسرعة. السؤال كان دقيق زيادة عن اللزوم. — ليه بتسأل؟ واحد من اللجنة قال بنبرة رسمية: — يارا، إحنا اللي بنسأل هنا. لكن سليم رفع إيده يسكت الرجل. وبص لها. — جاوبي. يارا قالت: — حصلت حاجات غريبة. — زي إيه؟ — اتقبلت في وظيفتين قبل كده… وبعد ما طلبوا بيانات الشركة القديمة عشان المرجع الوظيفي، الاتنين رجعوا في كلامهم. سليم قال: — وسألتي عن السبب؟ — قالوا إنهم اختاروا حد تاني.
— وصدقِتي؟ ضحكت ضحكة صغيرة من غير فرحة. — لأ. سليم فضل ساكت لحظات. وبعدين بص للمسؤولين. — ممكن تسيبونا خمس دقايق؟ يارا اتجمدت. التلاتة بصوا لبعض. واحد منهم قال: — طبعًا. قاموا واحد ورا التاني وخرجوا. الباب اتقفل. بقت هي وسليم لوحدهم. يارا قالت فورًا: — لو الموضوع بسبب الكلام اللي قلته بره، أنا آسفة لو تجاوزت… قاطعها: — مش ده الموضوع. — أمال إيه؟ سليم فتح درج صغير في الترابيزة.
طلع منه ملف أسود رفيع. وحطه قدامها. — تعرفي ده؟ بصت للملف. — لأ. فتحه. وسحب ورقة وحطها قدامها. يارا بصت فيها… وفي أقل من ثانيتين، الدم اختفى من وشها. كانت نسخة من التقرير اللي طلبوا منها تزور أرقامه في شغلها القديم.
نفس التقرير. نفس المشروع. وحتى في آخر الصفحة… كانت موجودة ملاحظتها المكتوبة بإيدها: “الأرقام المذكورة لا تطابق نسب التنفيذ الفعلية، وأرفض اعتمادها.” رفعت عينيها له بصدمة. — الورقة دي وصلتلك إزاي؟
سليم ما ردش. طلع ورقة تانية. كانت رسالة إلكترونية مطبوعة. من مديرها القديم. بعتها لشخص مجهول. يارا بدأت تقرا. وفي منتصف السطر… إيديها بردت. الرسالة كانت بتقول: “الموظفة السابقة يارا محمود مازالت تحتفظ بنسخة من المستندات، ولو بدأت تتكلم مع أي جهة لازم نعرف قبل ما تسبب مشكلة.” يارا رفعت رأسها. — إنت مين بالضبط؟ سليم بص لها بنظرة ثابتة. — قلتلك… سليم الراوي. — مش ده قصدي. سكت. وبعدين قال الجملة اللي خلت قلبها يدق أسرع:
— الشركة اللي إنتِ سبتِها من ست شهور… وقف لحظة. — إحنا اشترينا 51% منها الأسبوع اللي فات. يارا فضلت باصة له. مش قادرة تستوعب. سليم كمل: — وأنا بقالي أسبوعين بمراجعة ملفاتها قبل إعلان الصفقة رسميًا. قلب صفحة. — ولقيت اسمك بيتكرر بطريقة غريبة جدًا. قالت بصوت واطي: — اسمي؟ — آه. طلع ثلاث ورقات وحطهم قدامها. — تقرير داخلي ضدك. ورقة تانية. — شكوى من مديرك القديم بتتهمك بالإهمال.
ورقة تالتة. — توصية بعدم إعادة تعيينك في أي شركة تابعة للمجموعة. يارا شهقت بخفة. — الكلام ده كله كدب. قال بهدوء: — عارف. رفعت عينيها له. — عارف؟ — عشان التاريخ المكتوب على الشكوى… لف الورقة ناحيتها. — بعد استقالتك بشهرين. سكتت. سليم قال: — حد كان بيبني ملف كامل ضدك بعد ما مشيتي. يارا حسّت إن أطراف صوابعها بتترعش. — ليه؟ قال: — ده اللي بحاول أعرفه. وقبل ما ترد…
موبايل سليم رن. بص للشاشة. ملامحه اتغيرت. رد: — أيوه؟ سكت وهو بيسمع. وبعدين رفع عينه ناحيتها ببطء. — إمتى؟ صمت. — متأكدين؟ يارا كانت بتراقبه وقلقها بيزيد. قفل المكالمة. فضل ساكت ثانيتين. قالت: — في إيه؟ سليم جمع الأوراق بسرعة. — الإنترفيو خلص. شهقت: — إيه؟ قام من مكانه. — لازم تمشي من هنا دلوقتي. يارا وقفت هي كمان. — أنا مش فاهمة حاجة. فتح الباب، وبعدين وقف وبص لها.
— حد من شركتك القديمة عرف إنك موجودة هنا. يارا ضحكت بتوتر. — وبعدين؟ أنا مقدمة على وظيفة، مش بعمل جري\مة. سليم قرب منها خطوة. صوته بقى أوطى. — المشكلة مش إنهم عرفوا إنك مقدمة على وظيفة. سكت لحظة. — المشكلة إن الشخص اللي اتصل بالاستقبال من خمس دقايق… ثبت عينه في عينيها. — سأل تحديدًا إذا كنتِ جيتي ومعاكِ “الملف الأزرق”. يارا فقدت لونها. لأنها ماقالتش لأي حد في الشركة الجديدة…
ولا حتى في سيرتها الذاتية… إن المستندات الأصلية اللي احتفظت بيها من شغلها القديم… كانت فعلًا موجودة في ملف أزرق. والأسوأ… إن الملف كان موجود دلوقتي في مكان واحد بس. تحت سرير أمها… في البيت. يارا همست: — أمي لوحدها في البيت. سليم ما اترددش. مسك مفاتيحه وقال: — اتصلي بيها حالًا. طلعت موبايلها بإيد بترتعش واتصلت.
رن مرة. مرتين. تلاتة. مفيش رد. اتصلت تاني. برضه مفيش. همست: — هي بترد عليا دايمًا.
سليم فتح باب القاعة بسرعة. — عنوان البيت فين؟ قبل ما تجاوبه… موبايل يارا رن. اسم أمها ظهر على الشاشة. يارا أخدت نفس براحة. — أهي بتتصل. ردت فورًا: — ماما؟ لكن… ماجاش صوت أمها. جالها صوت راجل. هادئ جدًا. قال: — آنسة يارا؟ يارا اتجمدت. الرجل كمل: — واضح إننا محتاجين نتكلم عن شوية ورق مش من حقك تحتفظي بيه. يارا بصت لسليم. وشها شحب. وقالت بصوت مبحوح: — إنت مين؟ وماما فين؟
ثواني صمت. وبعدين الرجل ضحك ضحكة قصيرة. وقال: — لو عايزة والدتك تفضل بخير… هاتي الملف الأزرق. المكالمة اتقفلت. وسليم لأول مرة من ساعة ما شافته… فقد هدوءه تمامًا. الفصل الثالث
الملف الأزرق
المكالمة اتقفلت. ويارا فضلت ماسكة الموبايل قدام ودنها كأن عقلها رافض يستوعب إن الصوت اختفى. ثانية. اتنين. وبعدين قالت وهي بتبص لسليم: — هو عند أمي. سليم قرب منها بسرعة. — مين؟ — الراجل… أكيد عندها في البيت.
— إنتِ متأكدة؟ يارا صوتها علا: — أمال ماسك تليفونها إزاي؟! سليم طلع موبايله واتصل بحد. صوته اتغير تمامًا. مابقاش المدير الهادي اللي كان بيهزر معاها على الساندوتش. بقى حاد. — عايز عربية تحت حالًا. سكت ثانية. — وخلي الأمن يتواصل مع الشرطة على العنوان اللي هبعته. يارا مسكت دراعه. — الشرطة لأ. لف لها. — إيه؟ — لو الراجل عند أمي فعلًا وعرف إننا جبنا الشرطة ممكن يأذيها. سليم قال:
— ولو رحنا لوحدنا ممكن نلاقي نفسنا داخلين على ناس مستنيانا. — أنا لازم أروح. — وأنا ماقولتش إنك مش هتروحي. بصت له. قال: — بس مش هتدخلي البيت لوحدك. بعد أقل من خمس دقايق كانوا نازلين من الشركة. وكل موظفين الاستقبال تقريبًا كانوا بيبصوا عليهم باستغراب. يارا ماكانتش شايفة حد. كل اللي في دماغها كان صوت الراجل. “هاتي الملف الأزرق.” الملف. هو السبب. بس ليه؟ كل اللي جواه كانت نسخ من تقارير وشوية إيميلات.
مستندات تثبت إن الشركة القديمة كانت بتزوّر نسب إنجاز مشروع كبير. مش أسرار دولة. ومش أرقام تستاهل إن حد يهدد أمها عشانها. ركبوا العربية. سليم قعد جنبها في الخلف. السواق اتحرك بسرعة. سليم قال: — اتصلي بأي حد قريب من البيت. يارا هزت راسها. — أختي في الجامعة. وأبويا متوفي من سنين. وماما عايشة لوحدها. سليم سأل: — جار تثقي فيه؟ فكرت. — عم مجدي اللي قصادنا. اتصلت بيه. رن.
رد راجل كبير: — أيوه يا بنتي؟ يارا قالت بسرعة: — عمو مجدي، ماما عندها حد؟ — مش عارف. — ممكن تبص من الشباك؟ باب الشقة مفتوح؟ في حد غريب طالع أو نازل؟ سكت الرجل لحظات. وبعدين قال: — استني. يارا كانت بتضغط على الموبايل بإيدها لدرجة إن صوابعها ابيضت. رجع صوته. — يارا… — أيوه؟ — باب شقتكم مفتوح. يارا قلبها وقع. — وماما؟ — مش شايفها. — ممكن تروح تخبط؟
سليم فورًا هز راسه بمعنى لأ. يارا قالت بسرعة: — لأ… لأ خلاص. ماتطلعش. عم مجدي سأل: — في حاجة؟ — لأ… خليك في بيتك واقفل الباب. قفلت المكالمة. سليم قال: — كويس إنك منعتيه. يارا بصت له بعصبية: — إنت هادي أوي. — مش هادي. — باين عليك. قال وهو باصص قدامه: — لو أنا انهرت، ده مش هيساعد والدتك. سكتت. وبعد لحظات قالت: — إنت كنت مستنيني النهارده؟
لف ناحيتها. — إيه؟ — المقابلة. — كان عندي مقابلات مع كذا مرشح. — ماتلفش وتدور. يارا ثبتت عينيها فيه. — إنت كنت قاعد بره ليه؟ سليم ما ردش فورًا. — بحب أشوف المتقدمين قبل ما يعرفوا أنا مين. — ليه؟ — لأن أول ما يعرفوا إنك صاحب قرار… شخصياتهم بتتغير. سكت لحظة. — واحد يبقى لطيف زيادة. — واحد يبقى مرعوب. — واحد يحاول يبهرك. ابتسم ابتسامة خفيفة.
— وإنتِ ادتيني نص ساندوتش واتريقتي على كرافتتي.
رغم خوفها… طلعت منها ضحكة صغيرة غصب عنها. لكنها اختفت بسرعة. قالت: — بس إنت عارفني من قبل ما أدخل. هنا سكت. يارا فهمت. — صح؟ قال: — شفت اسمك في الملفات قبل المقابلة. — يعني وجودك بره ماكانش صدفة بالكامل. — لأ. — كنت بتختبرني؟ — كنت عايز أشوف إنتِ مين بعيد عن الورق. يارا رجعت تبص من الشباك. — وطلعت إيه؟ قال: — لسه مش عارف. بصت له بغيظ.
لكنه كمل: — بس عرفت إنك مش الشخص اللي الملف الأسود بيحاول يصوره. يارا سألته: — وإيه اللي مكتوب عني غير اللي وريتهولي؟ سليم سكت. وده كان كفاية يخليها تلف له. — فيه حاجة تانية؟ — آه. — إيه؟ — بعدين. — سليم، أمي ممكن تكون في خطر بسبب الملف ده، وإنت بتقول بعدين؟ اتنفس ببطء. — مكتوب إنك سربتي معلومات سرية لمنافس. يارا فتحت بوقها. — إيه؟! — ومكتوب إنك طلبتي فلوس مقابل سكوتك.
— كدب! — عارف. — عرفت منين؟ — عشان الشخص اللي المفروض إنك سربتِ له المعلومات… وقف لحظة. — مات قبل التاريخ المكتوب في التقرير بست شهور. يارا بصت له بذهول. قال: — حد كتب الملف بسرعة… وماخدش باله إن القصة فيها ثغرات. يارا همست: — طب ليه؟ — عشان لو اتكلمتي في يوم… أكمل: — يبقى عندهم ملف جاهز يقول إنك موظفة مفصولة، غير موثوقة، وبتبتز الشركة. يارا بصت قدامها.
وقالت: — يعني كانوا بيجهزوني كمتهمة. سليم قال: — بالضبط. العربية وقفت فجأة. السواق قال: — وصلنا. يارا فتحت الباب قبل ما العربية تقف تمامًا. سليم لحقها. — يارا! طلعت السلم جري. باب العمارة كان مفتوح. عم مجدي فتح شقته أول ما سمع صوتهم. — يا بنتي! يارا قالت: — ماما فين؟ — والله ما شوفتها من الصبح. طلعت الدور التاني. باب شقتهم كان موارب. وقفت قدامه. قلبها كان بيدق بعنف.
سليم مسك إيدها قبل ما تدخل. — استني. بص للداخل. هدوء. سليم نادى: — في حد هنا؟ مفيش رد. دخل الأول. يارا وراه. الصالون كان سليم. المطبخ سليم. لكن أوضة يارا القديمة… كانت مقلوبة رأسًا على عقب. الدولاب مفتوح. المراتب مرفوعة. الأدراج على الأرض. يارا جريت لأوضة أمها. — ماما! مفيش. السرير كان فاضي. لكن على الأرض جنب الكومود… كان موبايل أمها. يارا ركعت ومسكته. الشاشة مكسورة. قالت بصوت مرتعش:
— أخدوها. سليم لف عينه في الأوضة. وبعدين وقف فجأة. — قلتي إن الملف كان تحت السرير. يارا اتجمدت. بصت لتحت. المرتبة كانت متزحزحة. رفعتها. المكان فاضي. الملف اختفى. يارا همست: — أخدوه. لكن سليم ما ردش. كان باصص لحاجة تحت السرير. مد إيده. طلع ظرف صغير أبيض. — ده كان موجود معاه؟ يارا أخدته. — أول مرة أشوفه. الظرف مكتوب عليه بخط أمها: “يارا… لو حد جه يدور على الملف، افتحي ده فورًا.”
إيد يارا ارتعشت. — ده خط ماما. فتحت الظرف. جواه مفتاح صغير. وورقة مطوية. فتحتها. وكان مكتوب: “الملف اللي تحت السرير نسخة. الأصل مش هنا. أبوك كان عارف إن اليوم ده ممكن ييجي. روحي البنك. الخزنة رقم 317. وإوعي تثقي في أي حد اشتغل في شركة النور للمقاولات… حتى لو قال لك إنه عايز يساعدك.” يارا قرأت آخر سطر مرة تانية. وبعدين رفعت عينيها لسليم. وشه اتغير. لأن شركة النور للمقاولات…
كانت الشركة القديمة اللي يارا سابتها. لكنها كانت كمان… أول شركة اشتغل فيها سليم الراوي بعد تخرجه. يارا أخدت خطوة لورا. وبقت ماسكة الورقة قدام صدرها. — إنت اشتغلت هناك. سليم ما أنكرش. قال بهدوء: — آه. — قد إيه؟ — تلات سنين. — إمتى؟ — من حوالي تسع سنين. يارا بصت له بشك. — وأبويا؟ صمت. سليم ما ردش. يارا قربت منه. — إنت كنت تعرف أبويا؟ فضل باصص لها.
وده خلّاها تعرف الإجابة قبل ما يقولها. — آه. يارا حسّت إن رجليها ضعفت. — منين؟ قال: — والدك كان مديري. كأن كل حاجة في الأوضة سكتت. يارا همست: — إنت عمرك ما قلتلي. — ماكانش وقتها. — ولا كنت ناوي تقول؟ سليم قال: — كنت ناوي أعرف الأول إنتِ تعرفي إيه. يارا انفجرت: — تعرف إيه عن إيه؟! وفجأة… سمعوا صوت خبط جاي من طرقة الشقة. التنين سكتوا. الخبط اتكرر.
خبطتين خفيفين. سليم اتحرك ناحية الباب بحذر. لكن قبل ما يوصل… سمعوا صوت ضعيف جدًا. — يارا؟ يارا اتجمدت. — ماما؟! جريت ناحية الصوت. الصوت جاي من مخزن صغير جنب المطبخ. فتحت الباب. لقيت أمها قاعدة على الأرض. إيديها مربوطين. وشريط لاصق على بوقها. يارا صرخت: — ماما! نزلت عندها وفكتها بسرعة. أمها بدأت تاخد نفسها بصعوبة. — إنتِ كويسة؟ عملوا فيكي حاجة؟ أمها مسكت وشها بإيديها. — أنا كويسة.
— مين عمل كده؟ أمها بصت لسليم. وفي اللحظة اللي شافته فيها… تغير لون وشها تمامًا. شدت يارا بعيد عنه. وقالت: — إنت جايب الراجل ده هنا ليه؟! يارا اتفاجئت. سليم وقف مكانه. الأم قالت بصوت مليان خوف: — يارا… ابعدي عنه. — ماما، إنت تعرفيه؟ أمها بصت لسليم بنظرة كراهية واضحة. وقالت: — أعرفه. يارا بصت بينهم. — تعرفيه منين؟ الأم ردت: — من يوم ما أبوكي مات. يارا حسّت إن الهواء اختفى من الأوضة.
وقالت: — مال سليم بموت بابا؟ الأم بصت لها. وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة: — لأن آخر شخص قابل أبوكي قبل الحادث… كان هو. يارا ببطء لفت ناحية سليم. لكن سليم ما حاولش يدافع عن نفسه. فقط قال: — كلام والدتك صحيح. يارا شهقت. أمها صرخت: — ماتسمعيش منه كلمة! لكن سليم كمل: — أنا فعلًا كنت آخر واحد قابل والدك. وقف لحظة. وبعدين قال: — لكن والدك ما ماتش في حادث عادي.
يارا ثبتت عينيها فيه. سليم قال: — والدك كان بيحاول يكشف نفس التلاعب اللي إنتِ اكتشفتيه بعده بسنين. الأم اتجمدت. سليم كمل: — وقبل ما يموت بساعات… سلمني حاجة. يارا قالت: — إيه؟ سليم بص للمفتاح اللي في إيدها. وقال: — نص مفتاح خزنة البنك. يارا بصت للمفتاح. — نص؟ سليم مد إيده لجيب جاكته. وطلع مفتاح صغير شبهه تمامًا. — والنص التاني… رفعه قدامها. — معايا أنا.




