
قصة جوزي كان يصرّ يستحم معايا… ولما عرفت هو كان مستني الميه تقول إيه، اتمنيت إني ما كنتش سألته كاملة 👇 أول مرة جوزي مد إيده على باب الحمام وقالّي: “استني… أنا داخل معاكي”، ضحكت واتكسفت وافتكرت إن دي لهفة عريس جديد على مراته. تاني مرة اتكسفت برضه. تالت مرة حسيت إن الموضوع بقى غريب. لكن المرة العاشرة… وأنا واقفة قدام المراية والبخار مالي الحمام، وهو واقف ورايا مش باصصلي، مش لامسني، مش حتى مهتم بيا… كان باصص للبلاعة.
آه، للبلاعة. ساعتها قلبي دق بطريقة غريبة. لأن الراجل اللي كنت فاكرة إنه بيصرّ يدخل معايا عشان الحب والقرب والدلع، طلع طول الوقت مستني حاجة تطلع من تحت رجلي. حاجة من جوه الميه. أنا اسمي منّة، عندي تسعة وعشرين سنة، متجوزة من إياد بقالي سبع شهور. إياد كان من النوع اللي أي بنت تقول عليه لقطة: شغله كويس في شركة عقارات كبيرة، دخله ثابت، مهذب، مبيزعقش، ومش بخيل. حتى أهلي كانوا شايفينه ابن ناس، خصوصًا بابا اللي من أول قعدة قالّي:
“الراجل ده عينه شبعانة… ومش بتاع لعب.” بابا اسمه حسني، صنايعي سباكة قديم، بس مش أي سباك. هو كان معروف في المنطقة كلها إنه يفهم في المواسير أكتر من المهندس نفسه. الناس كانت بتكلمه في كشف تسربات المياه، تركيب سخانات، تحليل مياه الشرب، وحتى مشاكل الصرف اللي شركات الصيانة بتقف قدامها. طول عمري كنت فخورة بيه، رغم إن شغله كان متعب وريحه الهدوم دايمًا فيها أثر الشغل والحديد والصدأ.
إياد اتعرف عليا في مكتب محامي. كنت رايحة أخلص ورق ميراث صغير بعد وفاة خالتي، وهو كان هناك بخصوص شقة قديمة ورثها عن عيلته. يومها اتكلمنا كلام عادي، وبعدها بدأ يسأل عليا، وبعد شهرين اتقدم. أنا ماكنتش بحبه من أول نظرة، بس كنت مرتاحة له. فيه هدوء يخليك تطمني، وفيه حزن خفيف في عينه يخليك تحسي إنك عايزة تفتحي له باب وتعرفي وراه إيه. بعد الجواز، عشنا في شقته القديمة في عمارة عائلية. عمارة واسعة، سقفها عالي، أبوابها خشب تقيل، والحيطان فيها ريحة زمن قديم. إياد كان دايمًا يقولّي:
“الشقة دي محتاجة روحك يا منّة.” 📌 أقرأ أيضا 👇
ماذا تفعل إذا رفض الورثة تقسيم التركة؟ خطوات هادئة لحماية حقك كنت أضحك وأقول له: “وروحي هتعمل إيه في شقة مواسيرها بتخبط طول الليل؟” كان وشه يتغير. تغيير بسيط، بس أنا كنت بشوفه. في أول أسبوع، لاحظت إن الحمام بالذات فيه حاجة مش مريحة. مش وساخة، بالعكس هو كان مجدده كويس، سيراميك فاتح، مراية كبيرة، سخان جديد، ودش شكله غالي. لكن كان فيه صوت. صوت خفيف جدًا، كأن حد بيخبط بصباعه من بعيد. مش طول الوقت، بس لما الميه تفتح.
كنت أقول لإياد: “سامع؟” يرد بسرعة: “مواسير قديمة.” لكن عينه كانت تقول غير كده. أول مرة أستحم بعد الجواز، دخلت الحمام وقفلت الباب، لقيته بيخبط بعد دقيقتين. “منّة؟” قلت له وأنا مستغربة: “أيوه؟” قال: “افتحي.” “ليه؟” “عايز أطمن عليكي.” ضحكت وقلت: “أطمن عليا من إيه؟ أنا بستحم.” سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة رخمة شوية: “افتحي يا منّة.” فتحت له وأنا محرجة، لقيته داخل بهدوء. كنت متوقعة يقرب مني، يقول كلمة حلوة، يعمل أي تصرف عادي من راجل لسه متجوز. لكنه دخل، بص على الأرض، فتح الميه أكتر، وبعدين وقف كأنه بيسمع حاجة.
قلت له وأنا بحاول أهزر: “هو أنت داخل تستحم معايا ولا تصلح الدش؟” بصلي وابتسم ابتسامة مش كاملة. “الاتنين.” ضحكت وقتها، وعدّيت الموقف. بس الموقف اتكرر. كل مرة أدخل الحمام، لازم يدخل. كل مرة أقول له هآخد شاور، يسيب اللي في إيده وييجي. لو كنت زعلانة منه، يدخل برضه. لو كنت تعبانة، يدخل برضه. لو قلت له عايزة أبقى لوحدي، وشه يشحب. مرة قلت له بحدة: “إياد، أنا مخنوقة. لازم كل مرة تدخل معايا؟”
قرب مني، ووشه كان هادي، لكن عينه مش هادية. قال: “أنا مش بعمل حاجة تزعلك.” قلت: “الموضوع نفسه مزعج. أنا حاسة إني متراقبة.” كلمة متراقبة دي عملت فيه حاجة. لقيته رجع خطوة لورا، وبص ناحية المراية، وبعدين ناحية فتحة الشفاط. “متراقبة؟” قلت: “أيوه. إنت واقف معايا بس مش معايا. عينك طول الوقت على الأرض والحيطة والبلاعة. كأنك مستني حاجة.” سكت. أول مرة أشوف إياد مش لاقي رد. بعدها قرب مني وحط إيده على كتفي. لمسته كانت دافية، بس مش لمسة راجل مشتاق. كانت لمسة حد خايف يقع.
قال بصوت واطي: “منّة… أوعديني ما تفتحيش الدش وإنتي لوحدك.” ضحكت بعصبية. “إنت بتتكلم بجد؟” قال: “بجد.” “ليه؟” بص في عيني وقال: “عشان فيه أصوات ساعات بتخوف.” ساعتها افتكرته بيهزر. بس هو ماكانش بيهزر. من يومها بدأت أركز في تفاصيله. إياد قبل ما ينام يروح الحمام ويفتح الميه نص دقيقة ويقفلها. أحيانًا يصحى الفجر، يمشي حافي، يدخل الحمام، يفتح الحنفية، يقرب ودنه من الحيطة، وبعدين يرجع السرير كأن شيئًا لم يكن.
كنت أعمل نفسي نايمة، بس قلبي كان صاحي. وفي ليلة من الليالي، صحيت على صوته في الصالة. كان بيتكلم في التليفون. “أنا مش مجنون يا دكتور… الصوت رجع.” اتسمرت مكاني. دكتور؟ كمل: “لا، منّة لسه مسمعتش… بس هي بدأت تلاحظ.” سكت شوية، وبعدين قال جملة خلت دمي يبرد: “لو سمعتها لوحدها، كل حاجة هتبوظ.” قفلت عيني بسرعة لما حسيت إنه داخل الأوضة. نام جنبي، بس ما لمسنيش. فضلت طول الليل أبص للسقف وأسأل نفسي: هو بيخبي عني إيه؟ علاج نفسي؟ مرض؟ هلاوس؟ ولا أنا اللي دخلت بيت مليان أسرار وأنا فاكرة نفسي داخلة بيت زوجية؟
تاني يوم، وأنا في الشغل، فتحت جوجل وبدأت أبحث كأني بعمل تحقيق: أعراض الهلاوس السمعية، اضطراب القلق، العلاج النفسي بعد الصدمة، أصوات المواسير في الشقق القديمة، كاميرات مراقبة مخفية في الحمام، حماية الخصوصية داخل المنزل، استشارة أسرية، محامي قضايا أسرية. كل كلمة كنت بكتبها كانت تزود رعبي. لما رجعت البيت، دخلت الحمام لوحدي وأنا قاصدة. ما فتحتش الدش، بس قعدت أفتش. بصيت ورا المراية، جوه الشفاط، تحت الحوض، حوالين السخان. كنت بدور على كاميرا مراقبة، مايكروفون، أي حاجة تثبت إن إياد مش طبيعي.
مالقيتش حاجة. غير إن البلاعة كان حواليها خدوش صغيرة، كأن حد كان بيحاول يفتحها قبل كده. لما إياد رجع، لقيته شايل كيس فيه شمع سيليكون وعدة صغيرة. قلت له: “هتعمل إيه؟” قال: “هقفل فراغ بسيط حوالين البلاعة.” قربت منه وقلت: “إنت مش هتقفل البلاعة. إنت هتقولي فيه إيه.” ابتسم ابتسامة باهتة. “مفيش.” قلت: “إياد، إنت بتكلّم دكتور وتقول له الصوت رجع. صوت إيه؟” وشه ابيض. حاول يتهرب، فمسكت إيده. “أنا مراتك. يا تقولي الحقيقة يا إما أرجع بيت أهلي الليلة.”
أول مرة أشوفه ينهار قدامي. قعد على طرف الكنبة، حط وشه بين إيديه، وقال: “كان عندي أخت اسمها ملك.” سكت. الاسم طلع من بقه كأنه حجر وقع في بير. قلت بهدوء: “كانت؟” رفع عينه وقال: “اختفت من سبعتاشر سنة.” حسيت إن الهوا في الصالة تقل. قال: “كان عندها تسعتاشر سنة. كانت أجمل واحدة في العيلة. ذكية، عنيدة، وبتحب تغني وهي بتستحم. الحمام ده كان حمامها. الشقة دي كانت بتاعتنا زمان قبل ما أبويا يسيبها ويقفلها.”
بلعت ريقي. “اختفت إزاي؟” ضحك ضحكة قصيرة مالهاش طعم. “دي الكذبة اللي عشنا فيها. قالوا هربت. قالوا اتعرفت على واحد وسافرت. قالوا فضحتنا. كل واحد قال رواية. بس أنا كنت عيل عندي اتناشر سنة، وسمعتها آخر ليلة بتصرخ من الحمام.” إيدي بردت. كمل: “الميه كانت مفتوحة. صوت الدش عالي. وأنا كنت نايم في الأوضة اللي جنب الحمام. صحيت على صوتها بتقول: إلحقوني. جريت على الباب، لقيته مقفول من جوه. ندهت على أبويا، جه ومعاه راجل غريب. بعدين…”
سكت. قلت: “بعدين إيه؟” قال بصوت مكسور: “صحيت تاني يوم لقيت أمي بتقول ملك هربت. والحمام كان ناشف كأن مفيش نقطة ميه اتفتحت.” حسيت إن جسمي كله اتشد. “والراجل الغريب؟” بصلي لحظة طويلة. “ماعرفتش اسمه. بس فاكر إيده. كان في صباعه خاتم حديد غريب، وعنده حرق قديم على رقبته.” ماعرفش ليه ساعتها افتكرت بابا. بابا عنده حرق قديم على رقبته من أيام شبابه، وخاتم حديد كان دايمًا يلبسه في شغله عشان، على كلامه، “بيحمي الصباع من الخبط”.
بس طردت الفكرة بسرعة من دماغي. لا. مستحيل. قلت لإياد: “وإنت بتدخل معايا الحمام عشان إيه؟” قام ومشي ناحية الحمام، وأنا وراه. وقف عند الباب وقال: “بعد ما رجعنا الشقة بعد الجواز، الصوت رجع. مش كل يوم. بس لما الدش يفتح والضغط يعلى، بسمع خبط من تحت البلاعة. أحيانًا بسمع همس. الدكتور قال لي ده أثر صدمة قديمة. أهلي قالوا لي إني محتاج علاج نفسي. بس أنا عارف اللي سمعته.”
قلت: “يعني إنت كنت بتدخل معايا عشان تسمع؟” هز راسه. “وعشان لو الصوت ظهر، ما تبقيش لوحدك.” اتعصبت. “وماقولتليش ليه؟” بصلي بعين فيها ذنب. “كنت خايف تبصيلي زيهم.” وقتها، كان المفروض أحن عليه. أقول له أنا جنبك. بس جزء مني كان مرعوب منه. مرعوب من فكرة إنه عايش معايا وفي دماغه حمام بيتكلم. بعد يومين من الصمت والتوتر، قررت أعمل حاجة غبية.
كنت عايزة أثبت لنفسي إن مفيش حاجة. إن إياد محتاج علاج وراحة، وإن القصة كلها ذكريات مأذية. دخلت الحمام وهو في الشغل. قفلت الباب بالمفتاح. قلبي كان بيدق جامد لدرجة إني سمعته أعلى من صوت الميه قبل ما أفتحها. وقفت قدام الدش، ومديت إيدي. أول ما الميه نزلت، حسيت إن الحمام كله صحّي. الصوت بدأ عادي… ششششش… صوت ميه على السيراميك. بعد ثواني، سمعت الخبطة. تك. قلت لنفسي: مواسير. تك… تك.
قربت من البلاعة، وأنا رجلي بتترعش. الصوت كان واضح. مش خبط عشوائي. كان كأنه حد بيرد بإيقاع. تلات خبطات… سكتة… خبطتين. وفجأة، وسط صوت الدش، سمعت همسة. “منّة…” وقعت على الأرض. مش عشان الصوت بس. عشان الصوت نطق اسمي. زحفت لورا، ظهري خبط في الحوض، والميه نازلة فوقي. حاولت أقوم، رجلي زحلقت. سمعت الهمسة تاني، أو يمكن عقلي هو اللي ركبها على صوت المواسير: “ما تجيبيش أبوكي…” صرخت. ماعرفش إياد رجع إمتى. يمكن كان قريب من البيت، يمكن اتصلت بيه من غير ما أحس، يمكن الصرخة وصلت للشارع. اللي فاكره إنه كان بيخبط على الباب بجنون:
“منّة! افتحي!” كنت مش قادرة أتحرك. كسر الباب برجله، دخل، قفل الميه، ولفني بفوطة كبيرة. كنت برتعش وهو بيقول: “سمعتي؟” بصيت له، ودموعي نازلة. “قال اسمي.” وشه اتخطف. “قال إيه تاني؟” قلت بصعوبة: “قال… ما تجيبيش أبوكي.” إياد سابني كأني لسعته كهربا. فضل واقف يبصلي، وبعدين قال جملة عمري ما هنساها: “يبقى أنا كنت صح…” في نفس الليلة، اتصلت ببابا. أيوه، رغم إن الصوت قال ما أجيبوش. يمكن عشان كنت خايفة. يمكن عشان بابا كان أول راجل بحتمي بيه في الدنيا. يمكن عشان عقلي رفض يصدق إن بابا ممكن يكون له علاقة بأي حاجة.
بابا جه بعد نص ساعة. دخل الشقة وهو شايل شنطته القديمة، نفس الشنطة اللي ريحتها حديد وزيت. أول ما شاف إياد، وشه اتشد. الغريب إن إياد ما اندهشش من وجوده. كأنه كان مستنيه. بابا بصلي وقال: “إيه اللي حصل؟” قلت له بسرعة: “في صوت في الحمام. وإياد بيقول إن أخته اختفت هنا زمان.” بابا بص لإياد وقال ببرود: “أصوات مواسير. البيوت القديمة بتعمل أكتر من كده. والراجل شكله تعبان نفسيًا.”
إياد قرب منه خطوة. “حضرتك اشتغلت في العمارة دي قبل كده؟” بابا ضحك. “أنا اشتغلت في نص بيوت البلد.” “أنا بسألك عن العمارة دي.” بابا بصله، وبعدين بصلي. “منّة، خدي حاجتك وتعالي معايا. الراجل ده مش طبيعي.” إياد قال بهدوء مخيف: “قبل ما تمشي، اسأليه عن الخاتم الحديد.” بابا اتجمد. أنا شوفتها. لحظة صغيرة جدًا، بس كانت كفاية. إيده راحت لا إراديًا لصباعه، مع إنه بطل يلبس الخاتم من سنين.
قلت: “بابا؟” رد بعصبية: “إيه العبط ده؟” إياد طلع ورقة من درج السفرة. كانت صورة قديمة، باهتة، فيها راجل واقف جنب باب العمارة. وشه مش واضح، لكن رقبته فيها حرق، وفي إيده خاتم حديد. بابا خطف الصورة من إيده، وبص فيها، وبعدين مزقها. أنا صرخت: “إنت بتعمل إيه؟” قال: “بحميكي من الجنون.” هنا إياد فقد هدوءه. “لا، إنت بتحمي نفسك.” الدنيا دارت بيا. كنت واقفة بين جوزي وأبويا، بين الراجل اللي بنام جنبه والراجل اللي اتربيت في حضنه. واحد بيقول الحقيقة، والتاني بيقول جنون. ووسطهم حمام قديم صوته طالع من تحت الأرض كأنه شاهد مش عارف يتكلم.
بابا حاول يمشي، لكن إياد وقف قدامه وقال: “مش قبل ما نفتح البلاعة.” بابا زعق: “محدش هيفتح حاجة في بيتي!” إياد قال: “ده مش بيتك.” بابا بصله بنظرة عمري ما شوفتها في عينه. نظرة حد اتكشف. بعد شد وخناق، اتصلت أنا بمحامي كان ماسك ورق ميراث خالتي، وطلبت منه ييجي. آه، يمكن القرار كان غريب في نص الليل، بس عقلي ساعتها مسك في أي حاجة رسمية: محامي، إثبات، شهود، تسجيل صوتي، حماية قانونية. المحامي قال لي ما نكسرش حاجة قبل ما نصور المكان ونثبت الحالة. إياد شغل كاميرا الموبايل، وأنا صورت البلاعة، الخدوش، باب الحمام المكسور، ووش بابا المتوتر.
بابا كان واقف ساكت، لكن عينه كانت بتجري في المكان كأنه بيفتكر خريطة قديمة. المحامي جه ومعاه واحد صاحبه مهندس. بعد معاينة بسيطة، المهندس قال إن تحت الحمام فراغ. مش ماسورة بس. فراغ واضح. بابا قعد على كرسي فجأة. قلت له: “إنت عارف إيه؟” بصلي، ولأول مرة في حياتي شفت أبويا بيخاف مني. “أنا عملت اللي اتطلب مني.” الكلمة دي فتحت باب جهنم.
إياد هجم عليه، لكن المحامي منعه. بابا بدأ يحكي بصوت مبحوح. قال إنه من سبعتاشر سنة كان شاب محتاج فلوس. اتطلب منه شغل في العمارة دي بالليل: يقفل فراغ قديم تحت الحمام بعد مشكلة حصلت في العيلة. قالوله إن بنت هربت وسابت فضيحة، وإنهم عايزين يقفلوا ممر قديم عشان السمعة. هو ما سألش. أخد فلوس وسكت. إياد كان واقف كأنه بيتقتل ببطء. قال لبابا: “أختي كانت جوه؟” بابا هز راسه بسرعة.
“لا! والله ما شوفتش حد. أنا قفلت فتحة فاضية. فاضية يا ابني.” إياد صرخ: “بتكدب!” بابا عيط. “كنت سامع صوت. بس قالولي صوت مواسير. قالولي البيت قديم. وأنا صدقت عشان كنت عايز أصدق.” حسيت إن رجلي مش شايلاني. الراجل اللي علمني الحلال والحرام، اللي كان يقولّي ما تاكليش لقمة حرام، كان شايل ذنب تحت ضلوعه من سبعتاشر سنة. بدأوا يكسروا حوالين البلاعة بحذر. كل خبطة شاكوش كانت كأنها خبطة على قلبي. السيراميك اتشال، طبقة أسمنت، وبعدين باب حديد صغير مدفون تحت الأرض، متغطي بطبقة صدأ.
إياد قعد على ركبته قدامه. “ملك…” الباب لما اتفتح طلع ريحة رطوبة قديمة، ورائحة عفن، وشيء أشبه بريح مستشفى مقفولة. نزل المهندس بكشاف، ورجع وشه متغير. “في ممر.” نزلنا واحد واحد. أنا كنت خايفة، بس رجلي خدتني. الممر كان ضيق، وحيطانه مليانة أملاح من تسرب المياه. فيه مواسير قديمة ماشية بطوله، وكل ما حد يتحرك، الصوت يتنقل جواها بشكل مرعب. فهمت ساعتها إزاي الميه كانت بتشيل الأصوات وتطلعها من البلاعة.
في آخر الممر لقينا أوضة صغيرة. مش زنزانة، ومش مخزن. أوضة فيها كرسي قديم، مرتبة ممزقة، بقايا شال بناتي، وعلبة موسيقى صغيرة مكسورة. إياد مسك الشال وانهار. أنا كنت مستنية نلاقي جثة. مستنية نلاقي عضم. مستنية نلاقي نهاية مأساوية مفهومة. لكن اللي لقيناه كان أغرب. على الحيطة، بخط ضعيف، كانت مكتوبة جملة: “حسني سمعني ومفتحش.” بابا وقع على الأرض. وأنا حسيت إن الجملة اتكتبت على جلدي، مش على الحيطة.
إياد بص لبابا كأنه هيقتله. المحامي اتصل بالشرطة. الدنيا اتقلبت. صور، تحقيق، محاضر، قضية قديمة اتفتحت، وأسماء عيلة إياد رجعت تطلع من تحت التراب: أبوه، عمه، أمه، ناس في العقارات والميراث والتأمين، وشقة قديمة كان عليها نزاع كبير. عرفنا إن ملك ماختفتش عشان فضيحة. ملك كانت اكتشفت إن أبوها وعمها مزورين ورق بيع عقارات باسمها، ومستفيدين من وثيقة تأمين قديمة. كانت هتبلغ محامي وتفضحهم. في الليلة دي حبسوها في الممر عشان يخوفوها بس، حسب كلامهم. لكن حد قفل الفتحة، وحد سيب الميه مفتوحة عشان تغطي صريخها، وحد دفع فلوس لسباك شاب يقفل كل شيء قبل الفجر.
أبويا. أبويا اللي قالي طول عمري: “الراجل يتقاس بضهره، يشيل مسؤوليته وما يهربش.” هرب سبعتاشر سنة. لكن الغريب إن الشرطة ما لقتش جسد ملك. ولا في الأوضة، ولا في الممر. لقوا آثار قديمة، دم جاف، شعر، وبقايا أكل ناشف. لكن مفيش ملك. إياد كان بينهار أكتر. لأنه طول عمره كان بيدور على قبر، وفجأة لقى احتمال أسوأ: إنها عاشت بعد ما كلهم افتكروها ماتت. عاشت في ممر تحت الحمام، يمكن أيام، يمكن أسابيع، يمكن أكتر، وبعدين اختفت.
بعد أسبوع من التحقيقات، وأنا قاعدة في شقتنا المقلوبة، لقيت رسالة تحت الباب. ورقة صغيرة مطوية، مكتوب عليها اسمي. “لمنّة فقط.” فتحتها وإيدي بتترعش. كان الخط رفيع، لكنه واضح: “إياد مش بريء زي ما فاكرة.” قلبي وقف. كملت القراءة: “هو ما اتجوزكيش صدفة. هو كان عارف إنك بنت حسني من أول يوم. اختارك عشان يفتح القبر اللي أبوكي قفله.” حسيت إن البيت كله بيميل. لما إياد رجع، حطيت الورقة قدامه.
وشه قال الحقيقة قبل لسانه. قلت: “كنت عارف؟” سكت. قلت بصوت أعلى: “كنت عارف إن بابا له علاقة؟” قعد على الكرسي، وغمض عينه. “عرفت قبل ما أتقدم لك بشهر.” الصفعة اللي خدتها ساعتها ماكانتش على وشي، كانت في روحي. “يعني أنا كنت إيه؟ مفتاح؟” قال بسرعة: “في الأول… آه.” ضحكت. ضحكة طلعت مني غريبة، موجوعة، كأني بضحك على واحدة تانية مش عليا. “وفي الآخر؟” بصلي ودموعه في عينه. “حبيتك.” قلت:
“بس دخلت معايا الحمام كل مرة مش عشان تحميني… عشان تجرب الصوت. عشان تخلي بنت حسني تسمع اللي حسني دفنه.” قال: “كنت محتاج شاهد.” قلت: “كنت محتاج طُعم.” سكت. والسكوت كان اعتراف. قمت دخلت أوضة النوم، لمّيت شنطة صغيرة. هو حاول يقرب، لكني رجعت خطوة. “ما تلمسنيش.” قال: “منّة، أنا آسف.” قلت: “إنت زيهم يا إياد. يمكن ما قتلتش، بس استخدمت. يمكن ما قفلتش باب على حد، بس فتحتلي باب وأنا معصوبة العينين.”
خرجت من الشقة في نفس الليلة. لا رحت بيت أبويا، ولا فضلت مع جوزي. رحت عند صاحبتي ندى. وبدأت جلسات علاج نفسي حقيقية، مش عشان أنا مجنونة، لكن عشان اللي حصل يكسر أي حد. محامي قضايا أسرية قال لي إن من حقي أطلب طلاق للضرر. محامي جنائي قال إن شهادة بابا هتفتح ملف كبير. وشركة التأمين الصحي رفضت في الأول تغطي جلسات العلاج، لكني أصريت وقدمت كل الأوراق. بعد شهرين، الشرطة وصلت لحاجة قلبت القضية كلها.
ملك كانت عايشة. مش بس عايشة… دي كانت قريبة مننا طول الوقت. كانت الست اللي بتبيع مناديل عند أول الشارع، اللي كنت بشوفها كل يوم تقريبًا وأنا نازلة الشغل. ست ساكتة، شعرها أبيض بدري، وعينها دايمًا على العمارة. كنت أفتكرها غلبانة أو تايهة. طلعت هي ملك. خرجت من الممر بعد أيام من الحبس، عن طريق فتحة صرف قديمة كانت واصلة لمخزن مهجور. عاشت سنين بلا اسم، بذاكرة متقطعة، بين ملاجئ وبيوت علاج نفسي، لحد ما رجعت للشارع اللي اتدفنت فيه وهي حية. ماقدرتش تواجه إياد. ماقدرتش تدخل العمارة. فكانت تقف بعيد، وتستنى صوت الميه.
سألوها في التحقيق: “إزاي كنتي بتخلي الصوت يوصل للحمام؟” قالت: “أنا ماكنتش بخلي حاجة توصل. الميه هي اللي كانت فاكرة.” الجملة دي فضلت في ودني شهور. لكن المفاجأة الأخيرة ماكنتش إن ملك عايشة. المفاجأة إن ملك لما شافتني في النيابة، قربت مني، وبصت في وشي طويل، وبعدين قالت: “إنتي مالكيش ذنب.” الجملة دي كسرتني أكتر من الاتهام. كنت مستنية تكرهني عشان أنا بنت الراجل اللي سمعها ومفتحش. لكنها سامحتني أنا، وماسامحتش اللي استخدمني.
إياد حاول يرجعني كتير. بعت ورد، بعت رسايل، وقف تحت بيت ندى، كتب لي إنه كان غرقان في صدمة وإنه حبني بجد. يمكن كان صادق. يمكن حبه جه متأخر. بس في حاجات لما تتكسر، ما بترجعش حتى لو اتصلحت بمسامير دهب. أما بابا، فاعترف. قال إنه كان فقير، خايف، وإن الفلوس يومها كانت تمن عملية أمي. أمي فعلًا كانت مريضة، وكان محتاج مصاريف علاج ومستشفى وتحاليل. بس الفقر مايغسلش الدم. والحاجة ما تبررش إنك تسمع بنت بتستغيث وتقول “دي مواسير”.
في آخر زيارة ليه قبل الحكم، قالي من ورا الزجاج: “سامحيني يا منّة.” بصيتله وقلت: “أنا طول عمري كنت فاكراك ضهري. طلعت الحيطة اللي اتبنى وراها صريخ واحدة.” ساب راسه تنزل، وما ردش. بعد الطلاق، رجعت مرة أخيرة للشقة عشان آخد باقي حاجتي. الحمام كان متكسر، البلاعة مفتوحة، والممر اتقفل بأمر النيابة بعد المعاينة. وقفت قدام الباب الجديد اللي ركبوه مكان الباب اللي إياد كسره، وافتكرت أول مرة قال لي:
“أنا داخل معاكي.” كنت فاكرة الجملة دي بداية حب غريب. طلعت بداية تحقيق. كنت فاكرة البخار اللي كان يملأ الحمام مخبي لهفة راجل. طلع مخبي ذنب عيلة كاملة. كنت فاكرة إن إصراره يستحم معايا إيحاء حب ورغبة وغيرة. طلع هو كان مستني الميه تشهد قدامي… عشان لما الحقيقة تطلع، مايبقاش لوحده في الجنون. بس الحقيقة لما طلعت، خدت كل حاجة معاها. أبويا. جوزي. بيتي. والبنت اللي كنتها قبل ما أسمع اسمي طالع من البلاعة.
دلوقتي، كل ما أسمع صوت ميه في حمام أي مكان، قلبي يسبقني. بس بقيت أعرف إن الأصوات مش دايمًا جن. ومش دايمًا هلاوس. أحيانًا البيوت القديمة بتشرب أسرار الناس، وتسكت سنين، وتستنى بس حد يفتح الحنفية. وساعتها… الميه بتتكلم. بس المشكلة مش في اللي بتقوله. المشكلة في اللي سمعوا زمان، وعملوا نفسهم مش سامعين.




